
صباح الورد يا أصدقائي الأعزاء... الأربعاء ونهاية هذا الأسبوع المتعب والمرهق والبائس والذي وددت لو أنّه طال قليلا لأنجز كل ما خططت لإنجازة... الأربعاء والذي إخترته ليكون اليوم المنشود لتسليم مخططات ومواصفات أحد المشاريع الهندسية التي أقوم بتصميمها، ولكن مازال الأربعاء طفلا يا أصدقاء ونستطيع إنجاز الكثير...
إلى كل محبي ليالي الشتاء الساحرة وأنا منهم، و إلى كل من تعطّلت سخاناتهم وأضطروا للإستحمام بمياة باردة هذا الصباح وأنا منهم، وإلى كل المتعبين من هذا الأسبوع الشاق ويحلمون ببعض الراحة والسلام الأسبوع القادم وأنا كذلك منهم، وإلى جميع من يجترّون ذكريات الماضي الجميلة والتي لن تعود أبدأ وأنا لستُ منهم، أهدي قصيدة "النهر المتجمد" للمفكر والشاعر والقاص الكبير "ميخائيل نُعيمة"، والذي كتبها إبان دراسته للأدب الروسي في أوكرانيا، حيث كان الشاعر يشعر بالغربة ويحن إلى حضن الوطن الدافىء وإلى أيام الشباب الجميلة التي لن تعود، فيخاطب الشاعر النهر المتجمد ويشبه نفسه به، غير أن النهر المتجمد سرعان ما يذوب ويعود شابا يجري بين الحقول، بينما من المستحيل أن يعود شباب الشاعر ومن المستحيل أن تعود ذكرياته الجميلة مرة أخرى...
مرت أكثر من خمسة عشر عاما منذ قرأت هذه القصيدة لأول مرة ولكنها لا تزال عالقة بالذاكرة...
أتمنى أن تستمتعوا بقرائتها يا أصدقائي...
٭٭٭
يا نهرُ هل نضبتْ مياهُكَ فانقطعتَ عن الخريـر ؟ | أم قد هَرِمْتَ وخار عزمُكَ فانثنيتَ عن المسير ؟ |
بالأمسِ كنتَ مرنماً بين الحدائـقِ والزهـور | تتلو على الدنيا وما فيها أحاديـثَ الدهـور |
بالأمس كنتَ تسير لا تخشى الموانعَ في الطريـق | واليومَ قد هبطتْ عليك سكينةُ اللحدِ العميـق |
بالأمس كنـتَ إذا أتيتُكَ باكيـاً سلَّيْتَنـي | واليومَ صـرتَ إذا أتيتُكَ ضاحكـاً أبكيتنـي |
بالأمسِ كنتَ إذا سمعتَ تنهُّـدِي وتوجُّعِـي | تبكي ، وها أبكي أنا وحدي، ولا تبكي معي ! |
ما هذه الأكفانُ ؟ أم هذي قيـودٌ من جليـد | قد كبَّلَتْكَ وذَلَّلَتْـكَ بها يدُ البـرْدِ الشديـد ؟ |
ها حولك الصفصافُ لا ورقٌ عليه ولا جمـال | يجثو كئيباً كلما مرَّتْ بـهِ ريـحُ الشمـال |
والحَوْرُ يندبُ فوق رأسِـكَ ناثـراً أغصانَـهُ | لا يسرح الحسُّـونُ فيـهِ مـردِّداً ألحانَـهُ |
تأتيه أسرابٌ من الغربـانِ تنعـقُ في الفَضَـا | فكأنها ترثِي شباباً من حياتِـكَ قـد مَضَـى |
وكأنـها بنعيبها عندَ الصبـاحِ وفي المسـاء | جوقٌ يُشَيِّعُ جسمَـكَ الصافي إلى دارِ البقـاء |
لكن سينصرف الشتا ، وتعود أيـامُ الربيـع | فتفكّ جسمكَ من عِقَالٍ مَكَّنَتْهُ يـدُ الصقيـع |
وتكرّ موجتُكَ النقيةُ حُرَّةً نحـوَ البِحَـار | حُبلى بأسرارِ الدجى ، ثملى بأنـوارِ النهـار |
وتعود تبسمُ إذ يلاطف وجهَكَ الصافي النسيم | وتعود تسبحُ في مياهِكَ أنجمُ الليلِ البهيـم |
والبدرُ يبسطُ من سماه عليكَ ستراً من لُجَيْـن | والشمسُ تسترُ بالأزاهرِ منكبَيْـكَ العارِيَيْـن |
والحَوْرُ ينسى ما اعتراهُ من المصائـبِ والمِـحَن | ويعود يشمخ أنفُهُ ويميس مُخْضَـرَّ الفَنَـن |
وتعود للصفصافِ بعد الشيبِ أيامُ الشبـاب | فيغرد الحسُّـونُ فوق غصونهِ بدلَ الغـراب |
قد كان لي يا نـهرُ قلبٌ ضاحكٌ مثل المروج | حُرٌّ كقلبِكَ فيه أهـواءٌ وآمـالٌ تمـوج |
قد كان يُضحي غير ما يُمسي ولا يشكو المَلَل | واليوم قد جمدتْ كوجهِكَ فيه أمواجُ الأمـل |
فتساوتِ الأيـامُ فيه : صباحُهـا ومسـاؤها | وتوازنَتْ فيه الحياةُ : نعيمُـها وشقـاؤها |
سيّان فيه غدا الربيعُ مع الخريفِ أو الشتاء | سيّان نوحُ البائسين ، وضحكُ أبناءِ الصفاء |
نَبَذَتْهُ ضوضاء ُ الحياةِ فمـالَ عنها وانفـرد | فغـدا جماداً لا يَحِنُّ ولا يميلُ إلى أحـد |
وغدا غريباً بين قومٍ كـانَ قبـلاً منهـمُ | وغدوت بين الناس لغزاً فيه لغـزٌ مبهـمُ |
يا نـهرُ ! ذا قلبي أراه كما أراكَ مكبَّـلا | والفرقُ أنَّك سوفَ تنشطُ من عقالِكَ ، وهو لا |